فلسفـة العيد والمعاني الغائبة
عندما يَهِلُّ علينا شهرُ ذي الحجة، تَحِلُّ علينا النفحات والبركاتُ، ويحدونا الشوق والحنين إلى زيارة البيت الحرام.. تهفو النفوس وتشتاق القلوب إلى زيارة المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. ويأتي عيد الأضحى بفلسفته وآدابه ومعانيه؛ ليذكرنا بذكريات غالية على كل مسلم.. يذكرنا بأن الابتلاء المقرون بالصبر والتسليم لله طريق القرب والوصول إلى جناب الله.. يذكرنا بأن التأدب مع الله والامتثال لأوامره طريق النجاة.. يذكرنا بأن التوكل الحقيقي لا يكون إلا على الله.. نتذكر أن الله تعالى ابتلى إبراهيم (عليه السلام) في ولده إسماعيل ابتلاءين: فبينما هو شيخ كبير ظل يرقبه في ضمير الزمان مدة طويلة، إذ به يؤمر بأن يودعه في مكة هو وأمه، حيث لا أنيس غير الله، بوادٍ غير ذي زرع.. لا ماء ولا غذاء في تلك البقعة الجرداء..!!
وتقول زوجته هاجر: آلله أمرك بهذا؟
قال: نعم. قالت: إذن لن يُضََيِّعنا الله..
ويمر الوقت، والزاد والماء ينفدان.. الصغير يبكي جوعًا وعطشًا.. وقلب الأم يتألم ويتمزق.. البكاء يزيد.. فإذا بها تندفع وتجري بين الصفا والمروة.. تنظر يمينًا ويسارًا، تنظر إلى الأمام وإلى الخلف، فلا تجد شيئًا إلا الثقة بالله.. وكلَّما اقتربت من رضيعها ازداد تألُمها.. حرارة الشمس شديدة، والرضيع لا يفتر عن البكاء.. ثم تندفع نحو الصفا والمروة مرة ثانية عساها أن تجد ما لم تجده في الجولة الأولى، وأخذت تتردد سعيًا بينهما رجاء الفرج، وهي بعيدة عنه بجسدها دون قلبها، حتى إذا هلك يهلك وهي بعيدة عنه ولا تراه..!!
لم تيأس من روح الله.. بل ظلت تسعى واليقين في الله حليفها..
ولما بلغت شوطها السابع إذا بلطف الله يأتي.. نظرت من بعيد فوجدت عينًا تتفجر في وسط الرمال، فهرعت إليه لتروي ظمَأَه وظمَأهَا الذي كاد أن يودي بهما.. لذلك شُرِعَ السعي بين الصفا والمروة، وجُعِلَ شعيرة من شعائر الحج.
افعل ما تُؤمَر
ولما بلغ إسماعيل أشده إذا بابتلاء آخر ينتظره وينتظر أباه، إذ أوحى الله إلى إبراهيم أن اذبح ولدك، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102].
وهنا يتجلى الأدب الرفيع.. أدب إبراهيم مع ربه، وأدب إسماعيل مع أبيه.. إبراهيم يريد أن ينفذ أمر الله بذبح ابنه الوحيد الذي أتى بعد شوق طويل، وإسماعيل يقول: يا أبت، ولم يقل يا أبي، زيادة في الأدب والتبجيل والتعظيم لأبيه.. ولم يعترض بل سلَّم الأمرَ كله لله!! وهو يقول لأبيه: إذا هممتَ بذبحي فارفع ثوبك، حتى لا تصيبه الدماء فتراه أمي فتحزن.. واشحذ السكين جيدًا حتى تقطع سريعا فلا تؤخر أمر الله.. واجعل وجهي إلى الأرض حتى لا تنظر إلى عيناي فتأخذك العاطفة فلا تنفذ أمر الله..!!
ويصور القرآن هذا المشهد الدقيق {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ الم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ